تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري
120
مباحث الأصول ( القسم الأول )
فتحصّل : أنّ القسم الثالث معقول في الجملة ، والقسم الرابع غير معقول « 1 » .
--> ( 1 ) هذا كلّه حسب مبانيهم من كون الوضع أمراً إنشائيّاً . أمّا على مبنى القرن الأكيد ، فيمكن تصوير ما يشبه ذلك : فأوّلًا : قد يقصد الواضع قرن اللفظ بالمعنى العامّ ويتوفّق لذلك ، فلنسمّه بالوضع العامّ والموضوع له العامّ . وهذا يكون في عدّة فروض : الأوّل : أن يحضر المعنى العامّ في ذهن السامع عن طريق الإحساس ، أي : أنّ الواضع يُحضر مصداقاً من مصاديق المعنى المقصود أمام السامع مثلًا ، ويُطلق اللفظ المفروض وضعه لذلك المعنى ، ثُمّ يُحضر مصداقاً آخر من تلك المصاديق ، ويُطلق فرداً آخر للّفظ مماثلًا للفرد السابق . . . وهكذا ، وتكون النتيجة : أنّ السامع يُغفِل خصوصيّات الأفراد ، ويقترن كلّيّ ذلك اللفظ في ذهنه بكلّيّ المعنى ، فيتكوّن الوضع العامّ والموضوع له العامّ . والثاني : أن يقتصر الواضع على إحضار مصداق المعنى وقرنه باللفظ مرّة واحدة ، ولكن توجد هناك خصوصيّات كيفيّة تناسب كلّيّ المعنى ، لا ذاك المصداق بالخصوص ، فيصبح اللفظ في ذهن السامع مقترناً بالمعنى العامّ ، ويتمّ أيضاً الوضع العامّ والموضوع له العامّ . والثالث : ما قد يتّفق من أنّ الواضع يقرن ابتداءً اللفظ بالمعنى العامّ كي يتمّ في ذهن السامع هذا الاقتران ، وذلك كما لو استعان الواضع بإطلاق لفظ تمّ وضعه قبلًا لإحضار المعنى العامّ في ذهن السامع مع قرنه باللفظ المقصود وضعه الآن بقرن أكيد ، فيقول مثلًا للذين كانوا يعرفون البشر : « الإنسان هو البشر » ، أو يقول للذين كانوا يعرفون معنى الحيوان الناطق : « الإنسان هو الحيوان الناطق » مع تأكيد هذا القرن كمّيّاً أو كيفيّاً . وهنا أيضاً يتمّ الوضع العامّ والموضوع له العامّ . وثانياً : قد يقصد الواضع القرن الأكيد في ذهن السامع كميّاً أو كيفيّاً بين اللفظ ومعنىً خاصّ ، ويتوفّق عملًا لذلك ، كما هو الحال في وضع الأعلام ، فهذا ما نسمّيه بالوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ . - وثالثاً : قد يقصد الواضع قرن اللفظ بالمعنى العامّ لو أمكنه ، ولكنّه لا يتوفّق لذلك ، فلو أمكنه قلب المعنى الحرفيّ إلى المعنى الاسميّ لأخذ المعنى العامّ وقرن اللفظ به ، ولكنّه يعجز عن ذلك ؛ لأنّ المعنى الاسميّ يفقد النسبة المقصودة ، فالواضع يقرن اللفظ بمصداق من مصاديق المعنى ، ثُمّ بمصداق آخر ، وهكذا إلى أن يتمّ الوضع ، ولكن ليس بإمكان الذهن اقتناص الجامع بين تلك المصاديق إلّابإجراء تعديل جذريّ عليه ، من قلب المعنى الحرفيّ النسبيّ مثلًا إلى المعنى الاسميّ الذي لا يحقّق النسبة ، فهنا يبقى الذهن مقتصراً على الانتقال إلى المصاديق المناسبة من المعنى لكلّ مصداق من مصاديق اللفظ ، ولنسمّ ذلك بالوضع العامّ والموضوع له الخاصّ . أو أنّ الواضع يقرن اللفظ بمصداق من مصاديق المعنى مرّة واحدة ، ولكن هناك خصوصيّة كيفيّة تقتضي القرن الأكيد ، والمناسبة كانت تناسب عموم المعنى لا خصوص ذلك المصداق ، ولكن الذهن أيضاً كان عاجزاً عن اقتناص الجامع من دون إجراء ذلك التعديل الجذريّ ، أي : قلب المعنى الحرفيّ إلى المعنى الاسميّ والذي لا موجب للمصير إليه ؛ لأنّه يهدم المقصود ، فأيضاً يقتصر الذهن على الانتقال من كلّ مصداق من مصاديق اللفظ إلى المصداق المناسب له من المعنى ، فيتمّ أيضاً الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ